رمضان والسياسة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رمضان والسياسة

مُساهمة  قرن عارم في الجمعة فبراير 26, 2010 11:26 am

هنالك علاقة وطيدة بين شهر رمضان الكريم، وبين السياسة، على الرغم من التناقض الذي قد يفهم من خلال الممارسة واسلوب الحياة والعمل، إذ يظن البعض أن رمضان شهر عبادة، والسياسة هي لعبة تتداخل فيها الأحابيل والمجاملات والكذب والدبلوماسية وارتداء الوجوه المتعددة.

وحين نبحث في علاقة رمضان في السياسة، فإننا لا نلجأ إلى ما هو موجود، وإنما إلى ما يجب أن يوجد، أي السياسة بأخلاقها وممارساتها الإنسانية، السياسة التي هي مجموع سياسات، تطال حياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية، كما تطال العلاقات بين الأفراد، وعلاقة الفرد بالجماعة، وبشكل عام، فإن تلك السياسات تشكل حياتنا، شئنا أم أبينا.


وحين نلجأ إلى رمضان، فلا نحصره في الامتناع عن الأكل والشرب طيلة النهار، والانهماك بما لذ وطاب بعد أذان المغرب وحتى لحظة الإمساك، وإنما نعني به اسلوب حياة، إذ يفترض أن يكون شهر رمضان هو النموذج الذي يجب أن يكون عليه المسلم في حياته العامة والخاصة، في بيته كما في مؤسسته، في منصبه كموظف صغير، أو في موقعه كمسؤول كبير، بما يعنيه هذا الشهر من رحمة ومغفرة وتسامح، والامتناع عن ارتكاب الأخطاء والفواحش، والتوقف عن الإضرار بالناس وبالنفس، وتعزيز صورة المسلم أمام نفسه وأمام مجتمعه وأمام العالم. وحين نقول “المسلم” فإننا نتحدث عن كيان وليس فرداً، عن توجه وليس فكرة واحدة، عن استراتيجية داخلية وخارجية، وليس عن طقوس عبادة، وعن كرامة وشهامة وفروسية، عن قيم وأخلاق وعزة نفس، عن شرف الفرد والأمة، عن الأراضي المقدسة اينما كانت.

إنه بهذا التداخل، لا نجد تنافراً بين شهر رمضان والسياسة، وإنما نجد تداخلا وتكاملا حد التوحد، وانسجاما حد التآلف، فشخصية المسلم الرمضانية، هي شخصيته التي يجب أن يكون عليها في غير رمضان، فإذا تحقق هذا التصور فإن حياتنا كمسلمين ستتغير حتميا، وسيزول عنا الاتكال على الغير، في غذائنا وشربنا وسلاحنا وثيابنا وأجهزة منازلنا، وستكون لدينا الحميّة في نجدة أخوتنا المسلمين وحمايتهم من الظلم، والاندفاع لحماية أماكننا المقدسة وحمايتها من الاستباحة، واسترداد حقوقنا كاملة غير منقوصة.

وعودة إلى البداية، يحق للبعض أن يجد تنافرا بين رمضان والسياسة، لأن ما يحدث على أرض الواقع يبرر هذا التنافر، والعلاقات بين المسلمين تبرر هذا الفصل بين الأخلاق والسياسة، وهنا يثور سؤال خطير جدا: لماذا لا نترجم الأخلاق الرمضانية بمظهرها وجوهرها على أرض الواقع؟ إنه سؤال بحجم احتلال الكيان الصهيوني لفلسطين، واحتلال أمريكا للعراق، ووجود قواعد غير عربية أو إسلامية في البلاد الإسلامية، وتهميش الجامعة العربية، إنه سؤال بحجم الاتفاقيات السلمية وتبعاتها، وبحجم كلمة (تطبيع)، وبحجم التصالح مع الأعداء، وبحجم مصطلح العولمة وتطبيقه، وبحجم تغريب المجتمعات العربية والإسلامية، وبحجم اختلاط القيم واضطراب المفاهيم، وبحجم تحول الدين إلى أمر ليس له علاقة بأمور الدنيا، وبحجم تجارة المخدرات والرقيق الأبيض، وبحجم الفساد والاختلاسات، وبحجم الارتهان لقوى غير عربية أو إسلامية، وبحجم الردة، وأخيراً وليس آخراً، بحجم الحياة العربية الإسلامية المضطربة والمتراجعة والغامضة. إن كل هذا التشوّه نابع من السياسات التي تتعارض مع المفهوم الشامل لشهر رمضان الكريم، الذي أنزل فيه القرآن، أي أنزلت فيه الضوابط والمعايير والمفاهيم وأشكال العلاقات البشرية والدولية وغيرها، وهنا نعود للسؤال مجددا: ما هي نسبة تطبيقنا لتلك الأوامر والرؤى الإلهية؟ ولماذا بات ينظر إليها على أنها قابلة للتغيير والتحوير، والتعديل والتهميش، وأحيانا الشطب والتجاهل؟

إن المسألة أبعد من موضوع التطرف أو الإرهاب أو التزمت، بل إنها أقرب إلى الانفتاح والاجتهاد والتفكير والتفكّر بحالنا، ونحن نعيش أياماً فضيلة، تجعلها الممارسات السياسية في الوطن العربي والإسلامي أياما مليئة بالهزيمة والارتهان والتبعية وتشويه الشخصية الأصيلة، كما تجعلها الحروب الدموية بين المذاهب والفرق أياما عصيبة، ولا أدري، هل يفكر كل مسلم وهو صائم، أو عندما يحل موعد إفطاره، بهذه الطريقة والآلية والغيرة؟ أغلب الظن لا، لأنه تحول إلى إنسان مقموع، ورغم ذلك لا يفكر في عمل شيء، ويترك كل شيء لله سبحانه وتعالى، بينما أمرنا الله بالعمل:”وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”... وفي حديث شريف: “فإذا عمل أحدكم عملاً فليتقنه”. والعمل ليس الوظيفة فحسب، ولا الدراسة، لأن المعنى الجوهري للحديث هو الحياة، إذ علينا إتقان الحياة، وإتقان الحياة بالنسبة للمسلم هو تمسكه بتعاليم ومبادئ وقيم وأفكار وفلسفة دينه، وترجمتها في السلوك على الصعد كافة. ونعود لطرح السؤال مجددا: كم مسلم يتقن عمله وحياته؟ الإجابة، قلة قليلة جدا. ومهما سيق من أسباب فإنها ستبدو غير مقنعة، لأن حياة المسلم ليست ملكه، بينما عمله ملكه، ومصيره ليس ملكه، بينما مسعاه ملكه، وقراراته ملكه، والخوف من المستقبل غير مبرر للمسلم، لأن “ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها”، وهنا تبطل التبريرات والحجج، لأنها ستكون واهية جدا، أمام الهدف من الخلق، والهدف من كل هذه الحياة الدنيا.

لا أريد أن أبدو واعظا أو عالم دين مملاً، لأن أساليب علماء الدين في الحديث لم تستفد من التقدم العقلي والانفتاح الفكري، والرؤى المعاصرة، والتقنيات الحديثة، وتطور ذكاء الإنسان، وإنما هي أسئلة وددت طرحها، وهي مطروحة أصلا، إلا أن كثيرين يتجاهلونها، بل يخشون الاقتراب منها، لاعتقادهم أنها حديث في السياسة، والحديث في السياسة غير مأمون العواقب. وكل عام وأنتم كما تريدون أن تكونوا.

*نقلاً عن صحيفة "الخليج" الاماراتية

_________________
avatar
قرن عارم
مدير عام
مدير عام

عدد الرسائل : 283
العمر : 37
تاريخ التسجيل : 08/10/2008

http://mogr.ba7r.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى